1

الثلاثاء، 11 يوليو 2017

الانحدار الاقتصادي بين الأمس واليوم

لماذا الانحدار الاقتصادي اليوم سيكون أسوأ من أي وقت سابق في العقود الماضية؟

عند رجوعنا 20 عاماً للوراء و اضطلاعنا على عدة مقالات وكتب تتحدث عن الوضع الآقتصادي والنظرة المستقبلية لتلك الفترة أبرزها  كتاب "الأيادي السود" لنجاح واكيم (الذي صدر عام 98)، نرى مشهداً قاتماً جداً للاقتصاد اللبناني:
- دين عام تجاوز ال20 مليار دولار و تجاوز نسبة 100% الى الناتج العام المحلي
- ارتفاع العجز السنوي لموازنة الدولة بسبب الفوائد العالية على سندات الخزينة (في حدود ال15%) وتراكم الدين العام (بحيث تتم اعادة جدولة الدين عندما يستحق لتستلف الدولة من جديد)
- بطالة عالية (خاصة عند الشباب) ونسبة هجرة عالية و عدد كبير من اللبنانيين تحت خط الفقر
- حالات افلاس حدثت (وستحدث لاحقاً) مما ينبىء بوضع يزداد سوءاً مع الأيام وممكن أن يؤدي الى كارثة اقتصادية (مشابهة لدول كثيرة حدث فيها انهيار اقتصادي كبير وانحدار في قيمة العملة في فترة التسعينيات كتركيا مثلاً)

و لكن لم تتحقق معظم هذه التوقعات بالشكل التشاؤمي الذي رسم وقتها - لماذا يا ترى؟
1- الTVA: أحد أهم الأسباب التي جعلت ميزانية الدولة تحافظ على نوع من التوازن بين الايرادات والمصاريف هي استحداث الضريبة على القيمة المضافة (الTVA)، فقد كان لبنان من الجنات الضريبية في التسعينات، والسبب لذلك جذب أكبر قدر ممكن من الأموال بفترة ما بعد انتهاء الحرب الأهلية للمساهمة بالنهوض بالاقتصاد. وبذلك ساهم انشاء الضريبة ال10% هذه على عدد كبير من السلع والخدمات في ايجاد مدخول لا بأس به للدولة ابتداء من عام 2001 لم يكن موجوداً بتاتاً من قبل، كما تم استحداث ضرائب أخرى على قطاعات مختلفة أهمها الجمارك على السيارات المستوردة - لن نخوض في ذكرها الآن - ساهمت بمداخيل أخرى للدولة

2- ثورة قطاع الاتصالات: ساهمت ثورة قطاع الاتصالات اللاسلكية والانترنت بدءاً من أواخر التسعينيات وتوسعها الضخم لاحقاً في الأعوام اللاحقة في انشاء فرص عمل جديدة وبمداخيل عالية نسبياً لم تكن متوفرة من قبل، كما استطاعت الدولة أن تجني المزيد من المداخيل مع توسع مستخدمي القطاع اللاسلكي والرقمي بكل مكوناته

3- سعر برميل النفط: وصل سعر برميل النفط الى أقل من 9$ في العام 1998 و قد كان قد وصل الى أكثر من 35$ في العام 1979! أي أن أسعار النفط كانت قد أكملت فترة حوالي 20 سنة من التراجع والانحدار ويعلم متابعي هذه الصفحة ما يعني هذا الموضوع بالنسبة للبنان (تأثير سعر برميل النفط) فقد كنا شرحنا عنه سابقاً مراراً، فأي فورة بسيطة في النفط كان سيكون لها تأثير ايجابي على اقتصادنا - وهو شيء كان احتمال حدوثه عالي من هذه الأسعار المتدنية خاصة بعد فترة ركود طويلة جداً كالتي سبق حصولها.

4- حالات الافلاس (وشبه الافلاس) التي حدثت: نورد هنا هذه الأمثلة عن تلك الحالات لنبين أن الطريق لم تكن سهلة نحو النمو المضطرد الذي حدث لاحقاً، بل أن حالات افلاس لمؤسسات وشركات كبيرة حدثت وبينت حجم الركود الاقتصادي الذي حدث في تلك الفترة، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: البنك اللبناني للتجارة سنة 98 (شبه افلاس - قبل وضع مصرف لبنان يده عليه)، تعاونيات لبنان الاستهلاكية سنة 99، طيران الشرق الأوسط (MEA) سنة 2001 (شبه افلاس - قبل انقاذ مصرف لبنان الأمر في اللحظة الأخيرة)، بنك المدينة سنة 2003

5- مؤتمري باريس2 (2001) وباريس3 (2002): كان الوضع الاقتصادي العالمي في تلك الفترة يسمح بأن يقدّم عدد من الدول قروض ميسّرة وهبات حيث لم تكن هذه الدول تعاني من أزمات داخلية ومالية خاصة بها، وطبعاً ساهمت هذه القروض في التخفيف من حدة التدهور الاقتصادي وقتها (قبل النمو اللاحق)

6- انخفاض الفوائد على سندات الخزينة: وتالياً على الدين العام، وحدث ذلك بعد ازدياد رؤوس الأموال الداخلة على القطاع المصرفي اللبناني خاصة بعد ازدياد أسعار النفط المضطرد بين عامي 2003 و 2008


7- عقارياً: أما بالنسبة لسوق العقارات في ذلك الوقت، فما هو الانحدار الذي حدث وما العوامل المباشرة التي ساهمت في كبح جماحه (بالاضافة الى العوامل الماكرو-اقتصادية التي ذكرناها في الأعلى):
أ- أولاً انخفضت أسعار الشقق والعقارات بنسب وصلت الى 25-30% من أسعار الفورة التي وصلتها في عامي 94-95، وكان هذا الانخفاض طبيعياً في ظل الوضع الاقتصادي الصعب الذي مر فيه البلد وقتها، وحدث هذا الانخفاض بمعظمه في العمليات الحاصلة على الأرض وليس في الأسعار المعلنة (التي لم تشهد انخفاضاً ملحوظاً)، أما الذي أصر على السعر العالي ولم يبع فقد استطاع (على الأرجح) أن يعود ويبيع عليه بعد حوالي 7 سنين. وبغض النظر اذا كان خسر بطريقة غير مباشرة نتيجة انتظاره طوال هذه المدة فقد استطاع السعر أن يعود لمستوياته السابقة للأسباب التي ذكرناها سابقاً وسنذكرها الآن
ب- انشاء مؤسسة الاسكان: انشأت هذه المؤسسة في العام 99 وأعطت أول قرض بعد حوالي سنتين وفتحت مروحة التملك عن طريق القروض المدعومة أمام عدد كبير من اللبنانيين وخاصة موظفي القطاع الخاص - حيث كان موظفو القطاع العام يحظون بقروض بفوائد ميسرة منذ أوائل الثمانينات ولكن لم ينطبق هذا الأمر على غير موظفي الدولة. فساهم هذا الأمر من غير شك على ايجاد أرضية لأسعار العقارات انطلقت منها الى فورة كبيرة في الأعوام اللاحقة
ج- القروض المدعومة من مصرف لبنان: تدخل مصرف لبنان للمرة الأولى منذ انشائه في القروض العقارية لعامة الناس لدعمها من ناحية الفوائد أولا ومن ناحية تسهيل شروط القرض ثانياً - فالمرجح كان أن لا يعطي مصرفاً ما شخصاً عادياً قرضاً من هذا النوع قد يصل لمئات ألوف الدولارات من غير أن يكون مصرف لبنان موقع هذا القرض مع المقترض نفسه ليتشجع المصرف على القيام بالاقراض من غير هواجس
د- انخفاض الفوائد على سندات الخزينة (كما ذكرنا سابقاً) أدى أيضاً الى انخفاض الفوائد المدعومة وهو ما فتح باب الشراء أمام شريحة أكبر من الناس في نفس الوقت

ونعود الآن الى يومنا هذا، وتحديداً في توقعاتنا المعروفة لمستقبل سوق العقارات في الأعوام المقبلة في لبنان، فهل من عوامل مماثلة كالتي حصلت سابقاً لتنقذ القطاع من الانحدار في الأسعار؟
أي استحداث لضرائب جديدة أو زيادة في الضرائب الحالية سيضيق الخناق أكثر على نمو الآقتصاد، كما أنه لمن المستبعد أن تحصل ثورة جديدة مماثلة في قطاع تكنولوجي كالذي حدث في عالم الاتصالات في العقدين الماضيين لترفد جيوب الناس والدولة بمدخول جديد. أما بالنسبة لأسعار النفط، فلن ندخل في تحليل لاتجاه الأسعار وتأثير دخول النفط الصخري على أسعار النفط ومشتقاته، ولكن نستطيع القول أن الفورة في الأسعار التي حصلت مؤخراً وانتهت ابتداء من عام 2014، وصلت لأرقام (خاصة عامي 2008 و 2012) سيكون من شبه المستحيل الوصول الى أي رقم قريب منها في الأعوام المقبلة. كما أن حصول مؤتمرات جديدة لدول لتقوم بدعم لبنان (عن طريق هبات وقروض) سيكون من الصعب جداً في ظل الظروف المالية الداخلية لهذه الدول التي سبق أن دعمت لبنان في المؤتمرات السابقة. وأخيراً، لن يستطع لبنان في ظل الظروف التي ذكرناها أن يقترض بفوائد أدنى كدول أوروبا (مثل 1 و 2%) للظروف التي ذكرناها سابقاً - خاصة مع الحديث عن سلسلة رتب ورواتب جديدة ستثقل ميزانية الدولة وتأثيرها - ان حصلت بالشكل الذي يتأملونه - سيكون محدود جداً على الحركة الاقتصادية (والعقارات تحديداً) بسبب شمولها موظفي القطاع العام حصراً اضافة الى التوقعات بحدوث غلاء في أسعار المنتجات الاستهلاكية حالما حدوثها.

(كاتب المقال صديق للصفحة)




الأحد، 2 يوليو 2017

لكي لا تنغش بكلام الناس ... اين نحن الآن عقارياً؟

اين نحن الآن عقارياً؟
يوم أمس، ونحن نشاهد برنامج مرسيل غانم (المدفوع دعائياً) عن العقارات على الLBC، لم نستطع الا أن نعود بالذكرى الى نسخة العام الماضي من البرنامج نفسه.
العام الماضي، أصر جميع ضيوفه على أن "الأسعار لم تسقط قط" من قبل في لبنان وأن الأسعار لم تنخفض في الفترة الأخيرة.
في برنامج الأمس، اعترفوا بانخفاض بنسبة 20-30٪، مما يناقض بوضوح ادعائاتهم من العام الماضي. وبعبارة أخرى، إذا كنت قد استمعت لهم في العام الماضي، واشتريت شقة بقيمة 300,000$، كنت ستكون خسرت 100,000$ من قيمتها حسب ادعائهم بالأمس. وبالطبع، فإنهم سوف يطمئونك بقولهم، لا تقلق، في 20-30 سنة أخرى، سوف يعود سعرها يزيد عما دفعته (بعد أن تكون قد استمريت بدفع قرضك طوال هذه الفترة بعد شرائك الشقة بالثمن الذي ناسبهم هم لتكون حياتهم أفضل وكما يرغبونها)، و في نهاية المطاف ستربح من العملية.

أما بالنسبة للتعليقات، التي يمكنك أن تراها على بوست الفايسبوك الذي قام به السيد غانم عن البرنامج، هي أيضا مختلفة بشكل ملحوظ عن العام الماضي، و 99٪ سلبية ومنتقدة لبرنامجه... وعن حق طبعاً.
في الواقع، حتى هذه المرة، السيد غانم نفسه لم يتمكن من مواكبة التمثيلية، وانزلق في أحد التعليقات. أحد المطورين كان يتحدث عن مشروعه في الحازمية، فقاطع السيد غانم حديثه وقال له، "أما زلت تتحدث عن هذا المشروع، و قد تحدثت عنه قبل 4 سنوات، أما زلت لم تبعه؟"، وهنا بدا الحرج على الرجل (المطور العقاري) وحاول تغيير الموضوع، اذ أنه قام بالدفع لاعلان مغلف كبرنامج تلفزيوني عادي ليس ليقوم المقدم باحراجه فيه.
بالمناسبة، اقتراح رجال الأعمال هؤلاء (وجميعهم رجال - فليس هناك امرأة واحدة)، هو أن على هؤلاء الشباب الحصول على قرض للسنوات ال30 المقبلة مع الذهاب إلى والديهم لمساعدتهم في الدفعة الأولى لأن رواتبهم منخفضة، كما لو كان والدي هؤلاء الشباب يعيشون في بلد مختلف عن البلد الذي نعيش فيه نحن حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 7000 $ في السنة.
ثم استمروا بالتحدث عن الاحتياطي الالزامي للمصارف المستخدم (فرضياً) لدعم هذا القطاع. هذه الاحتياطات التي يتكلمون عنها مطلوبة لإنقاذ البنوك التي يمكن أن تفشل، ولدعم العملة - أي أنها ليست "ملك أبيهم" لاستخدامها لبيع المخزون الزائد المبالغ في سعره الذي لا يمكنهم بيعه، لأنهم بنوه لمجموعة من الأشخاص لم يعودوا موجودين في السوق المحلي.
في نهاية البرنامج، بعد إهانة شاب، يدعى جورجيو، بسبب افتقاره إلى الوطنية (كما ادّعى)، يعتذر له المقدم. فبحسب السيد غانم، جورجيو- الذي يجب أن يكون راتبه، بعد قضائه 4 سنوات في الجامعة، إذا كان واحدا من المحظوظين الذين يجدون وظيفة، 1200 $ في الشهر - عليه أن يكون وطنياً عبر دفع 200,000$ ثمن شقة تبعد ساعة ونصف بالسيارة عن بيروت أو عليه ربما أن يعيش في حمام في بيروت.
لقد اعتمدنا دائما وفق نظريتنا أن الانخفاض سيكون مستقبلياً 70٪ من الأعلى إلى الأدنى. وهنا اعترف هؤلاء المطورين بانخفاض بنسبة 30٪. وهذا يعني أنه في هذه المرحلة، لم يعد هناك نقاش حول الانخفاض أو ما إذا كنا على حق في التوجه الحاصل في الأسعار - فالفرق الوحيد بيننا وبينهم هو حجم الانخفاض الحاصل والذي سيحصل.
و للإجابة على سؤالنا الأصلي في العنوان، قمنا برسم السهم الأصفر على مكان وجودنا في الفقاعة المتهاودة. نحن في بداية مرحلة الخوف. انتظر حتى نصل إلى مرحلة الذعر و شاهد المذبحة التي ستحصل للأسعار.